حين نبحث عن أنفسنا بين أنقاض الزمان
في صخب الأيام وتسارع الزمن تتناثر أرواحنا كقطع زجاج مكسور تحت أقدام العابرين نبحث عن ذواتنا كما يبحث الغريق عن نفس أخير نرفع رؤوسنا وسط أنقاض الزمن بين ما كنا عليه وما نظن أننا يجب أن نكونه وتبقى النفس لغزا معلّقا نطارده دون يقين نلتمسه في الماضي ونخافه في المستقبل
يكتب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في كتابه الكينونة والزمان
الوجود الإنساني هو الكائن الوحيد الذي تكون كينونته موضع سؤال له
فالإنسان بخلاف أي كائن آخر يعيش مأزقًا مزدوجًا فهو موجود في العالم لكنه ليس متطابقًا معه هو ابن اللحظة لكنه يحمل في داخله ذاكرة العصور وشوقا لا يشبع للمطلق
في كل مرحلة من مراحل الحياة نعيد تشكيل أنفسنا استجابة للفقد للخذلان للدهشة الذات ليست كيانًا ثابتًا بل هي تيار يتجدد ويتفتت في زمن يمحو الوجوه سريعًا ويبدّل الحقائق كل يوم نصير غرباء عن أنفسنا نتأمل انعكاسنا في المرايا فلا نعرفه
الزمان كحقيقة وجودية لا ترحم
الزمن في أعين الفلاسفة ليس مجرد تتابع للثواني بل قوة تمحو تبتلع تهشم كتب هنري برجسون أن الزمن الحقيقي هو المدة وهو تدفق داخلي ذاتي لا يمكن قياسه والذات تقاس بتجربتها لهذا التدفق لا بعدد ساعاتها وفي هذه المدة نجرَف بلا رحمة نحاول أن نلتقط صورة ثابتة لأنفسنا لكننا لا ننجح إلا في تجميد الظل
وهكذا كلما حاولنا الإمساك بمن نحن أفلتت الإجابة فالذات لا تعرف من خلال تعريفات جاهزة بل تكتشف بين الشقوق في لحظات الانهيار في الرجوع المفاجئ لطفولة قديمة أو في رعشة شوق لشخص لم نعده
بين الأطلال نبني ملامحنا
حين ننظر إلى الوراء لا نرى مجرد ماض مضى بل نرى أنفسنا القديمة بجراحها وخيباتها وأحلامها في كل انقاض تركها الزمن تقبع نسخة منا ما تزال تنتظر الاعتراف وما البحث عن الذات إلا محاولة مضنية لربط كل هذه النسخ المتشظية في نسيج واحد مفهوم وربما كما قال ألبير كامو
الطريقة الوحيدة للتعامل مع عالم غير حر هي أن تصبح حرًا لدرجة أن يكون وجودك في حد ذاته تمردًا
فالتحرر من عبء الزمن لا يكون عبر تجاهله بل عبر اختراقه عبر بناء المعنى في قلب العدم والوقوف ثابتين حين تسقطنا الأيام
نحن لا نجد أنفسنا دفعة واحدة بل نلتقطها جزءا جزءا من بين الحطام كل خيبة كل فرح كل لحظة ندم أو دهشة تحمل جزءا من الإجابة ولسنا مطالبين أن نكتمل بل أن نواصل السير فما دامت هناك ذاكرة وما دامت هناك لحظة نختلي فيها بذاتنا في صمت فإن الذات لا تزال تحاول أن تتكلم



الزمن لا يرحم، هو نهرٌ جارٍ لا يتوقف ولا يعيد ما ابتلعه. نحن لا نُقاس بمرور الساعات، بل بتجاربنا الحيّة التي تخلّف أثراً عميقاً في أعماقنا. في محاولة فهم ذاتنا، نكتشف أنها ليست كياناً ثابتاً بل فسيفساءٌ من لحظات متفرقة، من جراح وذكريات وأحلام متشابكة. بين أنقاض ماضينا، نحاول أن نبني معنى لحياتنا، أن نلتقط أجزاءً متفرقة من ذاتنا المتشظية. في هذا العالم القاسي، يتحقق التحرر حين نتمرد على قيود الزمن والواقع، ونثبت وجودنا بمعناه الحقيقي رغم كل شيء. الحياة ليست أن نكون كاملين، بل أن نواصل المشي، وأن نستمع إلى صوت ذاتنا التي ترفض الصمت.
انا كشخص جديد في هذا تطبيق هاعترف واقول ان هذه افضل مقالة قرأتها لحد الان في هذا تطبيق، عمل عظيم استمري في كتاباتك🤍🙏🏻