الذات التي نُلاحقها ولا ندركها
نحن نقضي حياتنا في مطاردة صورة لأنفسنا نعتقد أنها النسخة المثالية نسخة أكثر حكمة وأكثر اتزانا وأكثر قدرة على فهم العالم وفهم أنفسنا وكل خطوة نخطوها نحوها تكشف لنا فقط عن مسافة جديدة وكأن الذات دائما تتقدم خطوة تلوح لنا من بعيد وتدعونا للاستمرار في البحث عن شيء يبدو بعيد المنال
إننا لا نبحث فقط عن النجاح أو الراحة أو الاستقرار بل نبحث عن معنى عن صورة داخلية تشعرنا أنها تمثل حقيقتنا لا ما يفرضه الواقع أو توقعات الآخرين وربما هنا تكمن المفارقة الكبرى كلما اقتربنا من فهم أنفسنا كلما اكتشفنا أننا أكثر غموضا وتعقيدا مما كنا نظن
كما قال نيتشه اصنع نفسك ولا تنتظر أن تمنح لك فالذات ليست هدية من الحياة ولا هدفا ثابتا يمكن الوصول إليه بسهولة إنها رحلة مستمرة من الاختيار والوعي من مواجهة ضعفنا ومن تعلم قبول حقيقة أننا لسنا ثابتين أبدا وأن الحياة نفسها تتغير من حولنا باستمرار فتفرض علينا أن نعيد اكتشاف أنفسنا باستمرار
جزء من أنفسنا يظل دائما غامضا وكأنه يخفي نفسه عنا عمدا ليذكرنا بأن الإنسان كيان متحرك رحلة أكثر من كونه نقطة تصل إليها
الذات تظهر في لحظات صغيرة في شجاعة صامتة في قرار نأخذه بلا ضجيج في لحظة صدق مع أنفسنا وفي كل مرة نختار أن نكون صادقين مع رغباتنا الحقيقية بعيدا عن القوالب والمظاهر وكل هذه اللحظات تمثل خطوات نحو أنفسنا حتى لو لم نشعر بذلك مباشرة
الحقيقة الأكثر فلسفية ربما هي أننا لا ندرك ذواتنا إدراكا كاملا ولا نصل إليها كما نصل إلى هدف محدد بل نقترب منها ونبتعد نكتشف أجزاء جديدة ونفقد أخرى ونظل في حركة مستمرة وهذا هو جمال الرحلة نفسها كلما فهمنا هذا شعرنا بالطمأنينة فعدم الوصول لا يعني الفشل بل هو جزء من طبيعتنا البشرية التي تسعى دائما للتطور والنمو وتتعلم من كل لحظة ضعف أو قوة
في نهاية المطاف المطاردة ليست عن الوصول إلى الذات المثالية بل عن رحلة التعرف عليها ومجابهتها ومصالحتها كل خطوة نحوها مهما كانت صغيرة هي جزء من صناعة الإنسان الذي نصبحه والأهم من ذلك أن الرحلة نفسها هي ما تصنعنا أكثر من أي نتيجة يمكن أن نصل إليها



لفتت انتباهي الجمله هذي "فعدم الوصول لا يعني الفشل بل هو جزء من طبيعتنا البشرية التي تسعى دائماً للتطور"
وجدت هذا السرد البسيط رغم عمقه كأنه انعكاسًا في حد ذاته لرحلة ملاحقة الذات.. تبدو رحلة معلومة الوجهة لكن تعج الخارطة إليها بالصعود الشاق والانعطافات المربكة والعدو اللاهث، والسر كل السر يكمن في الطريق لا الوجهة
أعجبني وصفك الفلسفي للرحلة، وارتسم في ذهني كصورة للمد والجذر، حيث تبقى صفحات الرمال عطشة مع كل جذر، تبحث عن الارتواء حتى يأتيها المد فتكتفي، وما تلبث السكون لحالة التشبع إلا أن تدرك حقيقتها المؤقتة وتعود للبحث الحثيث مرة أخرى
أعتقد الإنسان كما صفحات الرمال تلك، لا يسعه إلا أن يظل عطشانًا لمعنى جوهره، ساعيًا لفهم ذاته وسبر أغوارها، وإلا كان طافيًا في بركة راكدة يستوطنها العفن لا محالة.